.

.

أندلسية

Saturday, October 13, 2012



   أندلســية
      قصة قصيرة بقلم حسن أرابيسك






تعلن شركة مصر للطيران عن وصول رحلتها رقم 754 القادمة من مدريد
لمحها قادمة إلى باب الخروج بعد أن أنهت إجراءات وصولها، تتهادى في خطواتها فتؤكد هذا التباين الواضح بين ملامح وجهها وجسدها، وجه أوربي ينتمي إلى الشمال الأسباني فوق جسد شرقي ينتمي إلى الجنوب الأسباني ( الأندلس ) وماريانا حالها حال الكثير في الجنوب الأسباني ممن يفتخرون بأصولهم العربية، صديقة حميمة وفنانة تشكيلية من مدينة المرية وهي احدى المدن الأسبانية التي حافظت على التراث العربي بأكبر قدر من النقاء الممكن، تربطه بها علاقة متينة بدايتها صدفة جمعته بها منذ عامين 

 في بينالي الفنون التشكيلية الدولي ال50 الذي يقام في مدينة فينسيا ( البندقية)،ظل الود بينهما متصل لاينقطع، استضافته ماريانا مرات عدة في أسبانيا بدعوة منها لزيارة متاحف أسبانيا ومتحف البرادو بصفة خاصة قلعة أعمال عباقرة الفن الأسباني فيلازكيز - موريللو – جويا- وبيكاسو.

 ليس لهذا فقط دعته ماريانا، بل لإحساسها القوي به في حقه ورغبته في التواصل مع جزء أصيل منه هناك، جزء تم استئصاله منه منذ مايقرب من خمسمائه وعشرون عام (الأندلس)
وهي أشهرالمناطق في أسبانيا عند العرب وهي ذات التاريخ الإسلامي،وتضم مالقة والمرية وشقوبية وبلنسية وبلد الويد وقلعة رباح ومدينة سالم وأشبيلية عاصمة المنطقة الأندلسية وقرطبة عاصمة الخلافة الإسلامية وغرناطة أخر المدن الإسلامية سقوطاً في الأندلس وطليطلة وهي غنية عن التعريف لأهميتها الكبرى في التاريخ الإسلامي وكان سقوطها هو بداية سقوط الأندلس .
    يرى في ماريانا نموذج فريد وجميل  للمرأة بأنوثتها وأناقتها وثقافتها وثقتها بنفسها وإيمانها بفنها وأيضاً جمال طباعها وخصالها التي تحمل له نكهة نساء الشرق القديم، لذا لم يستعجب منها أن يراها وهي الأوربية الجميلة لاتخرج الى الشارع مكشوفة الرأس بل تضع فوق رأسها غطاءً حريرياً.. منديلاً للرأس
تقول ماريانا له أن المرأة في الشرق لديها شيئ جميل يضيف لها هالة من الجمال والسحر والوقار .. هو الحجاب الذي أتخذت هي منه غطاء للرأس في ملبسها على الدوام، قرأت ماريانا الكثير عن الشرق القديم وعن مصر بالتحديد وأحبتها فكم كانت سعادتها عندما هاتفها ودعاها لزيارة مصر .
 زارت ماريانا معه أهم المتاحف والأماكن التاريخية والأثرية في مصر،  وفي شارع المعز لدين الله قلب القاهرة الفاطمية تجول معه بين عمائره الإسلامية القديمة العتيقة،مسجد الحاكم بأمر الله، مسجد سليمان أغا السحدار، جامع الأقمر، سبيل وكُتاب عبدالرحمن كتخدا، قصر الأمير بشتاك، مدرسة ومسجد السلطان كامل، سبيل محمد علي، مسجد السلطان برقوق، مسجد الناصر محمد، قبة ومدرسة قلاوون، بقايا مدرسة الظاهر بيبرس، بقايا مدرسة الصالح نجم الدين، سبيل وكُتاب خسرو باشا، مسجد ومدرسة الأشرف برسباي، بيت السحيمي، تمشي ماريانا بجواره تأتنس به تتأبط ذراعه تجتاز معه شارع المعز من بدايته حتى نهايته،من باب الفتوح حتى باب زويلة مروراً بمنطقة النحاسين وخان الخليل والصاغة وشارع الموسكي ثم يعبران سوياً شارع الأزهر إلى حي الغورية ليشاهدا عرض رقصة التنورة على أنغام الآلات الشعبية بموسيقاها الصوفية داخل قصر ثقافة الغوريثم يكملان طريقهما إلى الفحامين وزقاق المدق والسكرية، ها هي الأن في قلب الأماكن التي قرأت عنها في روايات نجيب محفوظ المترجمة للأسبانية وتلهفت لرؤيتها، وعند باب زويلة ينتهي بهما امتداد شارع المعز، ثم الخيامية وتحت الربع وباب الوزير وجامع محمد علي والرفاعي وجامع السلطان الحسن، وعلى مقهى الفيشاوي بين رواده ودخان الشيش وكنباته الشرقية وكراسيه وصوره التاريخية المعلقة على جدرانه وصوت النادل وهو يرحب برواد المقهى ويستعجل  طلباتهم، وصوت نقرات خفيفة على أوتار عود يدوزنه صاحبه، قالت له ماريانا وهي تصُب الشاي من إبريق شاي صغير في كوبين أمامهما، كان معك حق حينما رفضت عرضي أن تقيم في جنوب أسبانيا في الأندلس التي تحبها حينها رأيت في إصرار رفضك، وحماس حديثك، ولمعة عينيك عشق عجيب لقاهرتك العتيقة .
    كل ليلة وقبل نومها تفتح ماريانا حقيبة سفرها تضيف لها هدية جديدة ابتاعها أثناء تجوالهما وأهداها إياها منحوتات فرعونية وإسلامية وتحف خشبية مطعمة بالصدف وبعض العبائات المطرزة، كل ليلة يجلسان في  الفناء الداخلي للبيت  بجوار نافورة ماء صغيرة محلاة بقطع الموزاييك الأخضر المتدرج  اللون تراصت حولها نباتات عطرية مختلفة، يجلسان يتسامران يتحدثان ويتحاوران ويتجادلان حول بعض الأعمال الفنية والتقنيات المختلفة والحديثة في الفن التشكيلي،أبدت ماريانا أيضا اعجابها الشديد بعماره بيته وتصميمه الإسلامي وزخارفه ومقتنياته، قالت له في بيتك ترجمة صريحة لعشقك وولهك بالشرق القديم 

 وفي ذات ليلة قالت له وهي تداعبه عليك دين لي يجب أن تسدده الأن، قال مندهشاً.. أي دين .!؟قالت وأنت ضيفي في أسبانيا جلست أمامي ورسمت لك بورتريه وبما أني ضيفتك الأن عليك أن ترسم لوحة لي خلفيتها جزء من بيتك جزء من قاهرتك، لم يمانع وابتسم لها ثم قام وأعدَ كل شيئ حامل الرسم ولوحة كبيرة وفراشي وألوان ثم أعد غليونه  وعبئه بتبغه المفضل بنكهة الشيري فقد احضرت له ماريانا الكثير منه لعلمها بشغفه به، غابت ماريانا قليلاً ثم عادت وقد غطت رأسها ووجها بوشاح شفاف، تمشي في ثقل متأني تتبختر في عباءة  حريرية وقد قبضت بيديها على تلابيب طرفيها ضمتهما على صدرها، عباءة شرقية مطرزة ومحلاه بخيوط ذهبية، عباءة سوداء تشف عن جسدها بتفاصيل تغيب وتعود فتزيده جمالاً وسحراً وهيبة ووقاراً فيبدو جسدها خلف عبائتها كصوفي خلف ستارة خلوته أو كمنحوتة تستعد لأن يرفع عنها غطائها ليشهد لها الجميع بإبداع صانعها، ثم قام هو بدفع أريكة صغيرة إلى ركن خالي من البيت بجوار نافذة من الأرابيسك والزجاج المعشق الملون لتجلس عليها.
اقترب منها وقد عدل قليلاً من وضع جسدها بلمسات خفيفة حانية من أنامله، ثم ضبط إضاءته عليها ثم عاد مكانه ينظر اليها صامتاً  ساكناً في مكانه، طالت نظرته ابتسمت له وقالت ماذا هنالك..!؟ قال لها صدقيني أشعر ويكأنك خرجتي للتو من احدى لوحات كلود مونيه وادوارد مانيه ورينوا، وبول سيزان، قالت له إن كنت تعتقد في خيالك أنني خرجت من إحـدى لوحـات هـؤلاء العباقـرة إلا أننـي هجـرتـها لأسـكن داخـل لوحـاتـك أنــت فهـل تـقبـلنــي،  أومـأ بـرأســـه موافقـاً وقــال لـها مداعبـاً بقليل من اللغة الأسـبانية التي يـعرفها De nada señora  (على الرحب والسعة سيدتي ) ثم شكرها على هذا الإطراء،  أمسك بليتت الألوان أفرغ عليها بعض من الوانه ثم خلط بين لونين منهما ثم ضرب بفرشاته أول  بقعة لونية يفض بها بكارة لوحته البيضاء، ظل مايقرب من ساعتين  لون هنا ولون هناك، خط هنا وخط هناك، كتلة هنا وفراغ هناك ،ضوء هنا وظل هناك، وفي ذات الوقت يتجاذبان أطراف الحديث حول حياة كل منهما  الخاصة وعن الثقافات المختلفة وتأثير الثقافة الإسلامية في أسبانيا،وكان لماريانا في هذا  الشأن رأي موضوعي وصريح قالت له: للثقافة الإسلامية تأثير واضح في  الثقافة الأسبانية، وأعتبر أننا كنا محظوظين، فلم يكن لدينا ثقافة أو حضارة واضحة المعالم، لكن مع وصول المسلمين إلى أسبانيا تركوا بصماتهم في البناء المعماري والفن الإسلامي، وأنها أيضاً متأثرة كثيراً بالعالم الإسلامي وثقافته العريقة .
   يمضي الوقت بهما، تنتقل اللوحة بين ضربات ولمسات فرشاته من طور إلى طور ويعبر  الحديث بهما من زمن إلى زمن، وبين الرسم وبين الحديث وقت ثالث يستقطعانه للراحة، لإحتساء قهوة تركية أعدها على موقد صغير بجانبه، قهوة تركية اختلطت نكهتها ورائحتها بدخان غليونه ودخان سيجارتها قالت له لمن تلك  الموسيقى التي نستمع اليها الأن.. قال هي لموسيقار مصري يدعى عمر خيرت قالت إن موسيقاه رائعة توحي لها برقص الجواري فهل تعلم ياعزيزي بأن الرقص الشرقي هو بقايا رقص الجواري،قال لها وابتسامته تملئ وجهه كم  تمنيت أن أرى جارية من ذاك الزمن وهي ترقص، قالت له لك هذا، أبدى دهشته، قالت لاتندهش لقد تعلمت بعض من ايقاع وخطوات الرقص الشرقي أثناء دراستي  لحركة الجسد ولغته التعبيرية كمرجع لي في لوحات معرضي الأخير جواري الشرق، وقد مارسته مع نفسي أمام مرآتي، ثم قامت من مكانها، حررت عبائتها من قبضتيها فتباعدا طرفيها فتجلى بينهما جسدها العاري ببشرته الناعمة النقية الناصعة البياض كنهار ينسلخ من نهايات ليله، وكأنها تؤكد له مايراه فيها من تباين بين وجه أوربي يحمل جمال وحياء وخجل  المرأة في أوربا القديمة، وجسد شرقي الملامح والتكوين ممتلئاً قليلاً، لماريانا جسد غض بض متوحش جرئ له إغواء يدعوك للاقتراب منه لمداعبته لمضاجعته الآن وليس غداً .
   تستعد ماريانا للرقص تقف في مكانها يتحرك جسدها كله حركات رخوية فتحرك ذراعيها في الهواء لأعلى ولأسفل بشكل لولبي يتزامن مع حركة جسدها وهو يتلوى كأفعى، ثم بخطوات رشيقة محسوبة تتحرك هنا وهناك، تتمايل يميناً ويساراً، تنحني بجزعها تارة للأمام وتارة للخلف، ثم على مشطي قدميها تشب،وتمد رقبتها وتشرئب،وتلف وتدور حول نفسها فتدور معها عبائتها ترتفع لأعلى في شكل أسطواني وكأنها تعيد له مشهد تراثي من رقصة التنورة وتكشف عن مستور جسدها، وقبل أن تكتمل الرقصة تبدل مزاجه وتغير حاله  شارد الذهن  يسافر بعيداً وقريباً ثم يعود بنظراته لتستقر في عينيها المُسهمة نحوه وهي تراقب صمته، تشعر أن صمته الحائر يموج بحب جارف لها يفصح عما يُخالج نفسه من عاطفة توشي بمكنون صدره،ولكنها تغالط نفسها .. ربما نال منه التعب، تتوقف مريانا عن الرقص وتقترح عليه أن يكتفيا اليوم بهذا الحد من السهر والرسم، أثنى على رقصها وقام وأستأذنها وذهب إلى غرفته لينام .

   ألقى بجسده على سريره بعد أن خلع عنه قميصه فأصبح نصفه الأعلى عارياً واضعاً رأسه  بين وسادتين هكذا اعتاد أن ينام  ، وبعد وقت ليس بكثير وهو غير مدرك تماماً لوعيه شعر بشفتين دافئتين تقبله في كتفه وعنقه، بجسد ناعم طري يلامس جسده، بنهدين  يلامسان ظهره ويغوصان فيه، بذراع تحتضنه وتلتف حول خصره وتضمه، بكف رقيق يمسح صدره ، بأصابع تداعب شعر صدره، بساقين تلتفان حول ساقه، بقدم تتمسح في قدمه، وبين يقظته ونومه ظنَ  انه بحلم فحاول أن يغلب حلمه يقظته  حتى لايهرب منه هذا الحلم الجميل، ها هي تزوره وتأتي اليه تعلم مدى شوقه واحتياجه لحنانها في كل لمسة منها كم  يحتاج لهذا الدفء من جسدها كم يشتاق إليها وكم  تشتاق حياته كلها لها قلبه وجسده وبيته وغرفة نومه وسريره، غابت عنه كثيراً أصبحت  الحياة بدونها جافة، وأثناء إستمتاعه  بكل هذا الحنان الذي يحتويه في حلمه إستغرب منها عطرها الذي يشتمه فهو ليس بعطرها الذي اعتاده منها وهي تحيا معه قبل رحيلها أو بعده عندما تزوره في أحلامه، أو في خيال يقظته ،  ليس عطرها بل هو عطرأخر..عطر ماريانا.!.. نعم عطر ماريانا، إستفاق قليلاً، غلبت يقظتة  نومه، زاد يقيـنه بوعيـه عنـدما همـس صـوت مــن تحتضنـه  Te quiero, Te amo  ( أحبك.. أعشقك بالأسبانية )أذن هو ليس بحلم وأن مايحدث في حينه واقع وحقيقة..وقبل أن يتحرك من مكانه، حدث نفسه هل ينتفض من ثباته ويلتفت اليها ويقوم ويلعنها ويطردها من غرفته التي لم  يسمح لأحد أن يدخلها بعد أن رحلت عنه أعز الناس قسراً، أم يترك تلك الجميلة  المتوحشة تفعل به ماتشاء ويوهمها انه مازال نائماً، ويوهم ضميره أنه لا ذنب له في هذا  الأمر.. أم يصبوا اليها ويُكن من الجاهلين ويعتق جسده ويعطيه فرصة  البوح والتمرد والعصيان والثورة على طول سجنه معه ويشاركها ما تفعل ويطلق هو الأخر حمم بركانه ليهدأ ويسكن مثلما كان..سامحك الله ياماريانا، أحس أن نفسه تراوده وتضغط عليه  ليميل إلى هذا الأختيار الاخير ويهجر سنوات عجاف مرت من عمره.
   كاد أن يستسلم لهذا الاختيار وأن يهم بها لكن بحركة عصبية التفت وراءه فرأى ماريانا عارية تماماً وقد تخلصت من عباءتها ومن غطاء رأسها، تنظر إليه وهي  تردد له كلمة احبك مرات عدة بالاسبانية وبالانجليزية وبالعربية، ولكنها رأت الوجوم وعلامات الدهشة والغضب على وجهه اعتذرت منه  أخبرته  كم تحبه وكم انتظرت منه أن يضمها الى صدره ويُقبلها يحتويها بين ذراعيه، ويبوح لها بما أخفى من حب حالت شرقيته ووفائه القديم دون البوح به، فكم حاولت أن تصرح له هي  بحبها في المرات التي زاراها فيها في أسبانيا لكنها كانت تتراجع وتخبر نفسها ربما إعجاب منه ومنها فقط، ولكنها رأت ولمست من حنانه في تلك الأيام ما يفوق  شعورها بهذا الحب، والمرأة عندما تجد هذا الحنان من رجل لاتملك الا أن تحبه وتعشقه  وتبقى في جواره بقية عمرها،  مدت يدها وأمسكت بكفه فسحبها هو على الفور موليا لها  ظهره جالساً على حافة سريره واستسمحها وأشار إليها بالخروج من الغرفة ، لكنها لم  تستسلم لقراره واحتضنته من خلف ظهره تشبثت به وضمته إليها بشدة وبلين، بحب وبشهوة، بحنان وبلهفة، وقد مالت بوجهها على كتفه وحال أهات صدرها وزفرات أنفاسها اللاهثة المتوهجة الحارة تخبره قبل  لسانها بأنها مستعدة أن تكتفي منه بأقل القليل من حبه ومن جسده، قالت له بصوت يتغنج ويتدلل  أنها إمرأته التي يشتهيها جسداً وعقلاً وفكراً وهي التي قضت عمرها عذراء بتول لم تقابل في حياتها رجلاً يستحق قلبها ليشفع له عند جسدها،هو فقط من أحبته هو فقط من استحق هذا القلب وتلك الشفاعه فهو رجلها الذي تمنته من هذه الدنيا بطولها وعرضها ،وبصوت ضعيف تختنق عباراته قالت له أنها تحترم وتقدر فيه وفائه، قالت له إن كان لها منك قلبك فليكن لي جسدك وإن كان لها  منك روحك  فليكن لي منك وجودك ، وان كانت تقترن بك في عالم أخر  فليكن لي أن اقترن  بك في دنياي، استحلفته أن يخلع عنه رداء القديسين وهو معها ولا يكلف نفسه فوق طاقتها، ها هي الأن معه وله دون رجال العالمين تخلع عن حياتها وقلبها وجسدها رداء الرهبنة لتقترن به، حلَ ذراعيها من حول خصره أشار اليها بالخروج مرة أخرى، اتجهت ماريانا نحو الباب بخطوات متئدة برأس تدلت على صدرها وعلى عتبة باب غرفته وقفت برهة رمقته بنظرة طمعاً منها أن يحن قلبه ويلين لها أن يناديها  يحتويها بين ذراعيه ،ولكنه  لم ينطق لم يتحرك لم يلتفت اليها ظلَ جالساً على سريره ، محني بجزعه قليلاً للأمام ، رأسه منكسه لأسفل، نظره ثابت صوب الموضع الذي بين قدميه، وبحركة خاطفة تقدمت اليه ماريانا مرة أخرى رمت بنفسها أمامه على  الأرض  متكئة على ركبتيها،أخذت برأسه بين كفيها تنظر في عينيه وهي تصرخ في وجهه بصوت ذليل يائس هل نسيت  الأندلس.؟ ،ألست عاشق الأندلس وتعلم أنها ارثك الذي ضاع، ألست أنا جزء من هذا الإرث، جزء من عشقك هيا.. هيا أذن خذني بين ذراعيك إسترد ما ضاع منك .. هيا حبيبي ماذا تنتظر، لكنه لم يحرك ساكناً إلا من تنهيدة خرجت تحترق من صدره ثم رفع رأسه لأعلى وهو يتحاشى النظر في عينيها الدامعتين،  نظر إلى سقف الغرفة وهو يحدث نفسه لا..لن يسمح لغيرها بغزو قلبه، لن يسمح لغيرها بدخول غرفة  نومها والنوم على سريرها، لن يسمح لغيرها أن يلامس جسدها جسده، لن يسمح لغيرها بانتهاك قدسيتها، لا لن يستسلم ولن يسقط ،لقد سقطت الأندلس من قبل عندما تخاذل حكامها وانشغلوا عنها بأمور دنياهم وشهواتهم فضعفوا وضعفت الاندلس وسقطت ..لا .. لن يسقط هو  ..ولن تسقط مريانا .. لن تسقط الاندلس مرة  أخرى.
 تمت

 (ملحوظة:  رأي الفنانة التشكيلية في تأثير الحضارة الاسلامية في اسبانيا هو حقيقي وبالحرف الواحد  وذلك للأمانة والأنصاف وليس من خيال أو إدعاء المؤلف أو تحيز كما قد يعتقد البعض لأنه عربي













حسن أرابيسك

الخـان

Friday, August 3, 2012


الخـــان
            ( قصة قصيرة)
                   بقلم حسن أرابيسك

مددت بصري إلى الخان 
رأيته من بعيد
وقد اشتدَ حنيني إليه
تحجر الدمع في عيني
لم أستطع تفتيته
لم أقدر على إسقاطه
اقتربت من الخان
أجر خلفي حقيبة سفر
رافقتني دوماً في أسفاري 
تسافر معي.. وتعود معي
بها بعض من ملابسي
وكتب صوفية وأوردة
 ودفتر قديم يحمل بعض من أشعاري
وقصاصات ورق صغيرة
مدون بها بعض من أفكاري
وأقلام خشبية 
وكراسة اسكيتش
وآلبوم صور يحمل بعضاً من أيامي البعيدة والقريبة لمناسبات مختلفة
معارض
كافيهات
دعوات
ندوات
 بها أيضا أخر تذكرة سفر لي
وجوازات سفري 
المنتهية المُنتهكة صفحاتها بتأشيرات وأحبار أختام متعددة الشكل واللون والحجم
كلها في النهاية تحمل معناً واحداً 
إذن بالدخول.. أو أذن بالمغادرة لطير مهاجر
إستمرأ السفر المفاجئ والرحيل المتكرر

إقتربت أكثر من الخان
داعب سمعي صوت الأذان من مآذنه الشاهقة
وفضاء سماء الخان يحمله لأذني في تردد ورجع جميل
 داعب أنفي الهواء المفعم برائحة أعشاب وبهارات شرقية اكتظت بها مخازن ومحلات عطارة الخان
داعبت ذاكرتي بيوت الخان العتيقة  وهي تتجلى لي بحجارتها الضخمة وملامح عمارتها الإسلامية القديمة فيحن عمري لأيام الطفولة وبدايات الصبا والشباب

اقتربت أكثر  وأكثر من الخان
بدا لي الخان بضجيجه وأهله وسكانه ومُريديه وهم كُثر
يتحركون في اتجاهات مختلفة
منهم من هو قادم من زقاق ضيق إلى رحابةالشارع الكبير للخان
ومنهم من يعبر عطفة صغيرة  إلى حارة أكبر 
منهم من يقف أمام باب ضخم لمسجد عتيق ينحني أمام عتبته ليخلع نعليه للدخول لزيارة ضريح أو للصلاة وقد شمر عن ساعديه للوضوء
منهم من يجلس على مقهي يحتسي  مشروبا ساخناً أو مثلجاً ، أو يدخن نرجيلة تتوهج جمراتها
ومنهم من يقف مع أخر على ناصية شارع كبير أو حارة صغيرة يدور بينهما حديث جانبي
ومنهم من يدفع بعربة خشبية ينادي على بضاعته بين بيوت الخان القديمة بقاماتها المتضامة وهي تطل بمشربياتها المتهالكة المتربة على جانبي طرقات الخان الملتوية والمتعرجة، وفي أسفل بيوت الخان يقبع في حضن حجارتها العتيقة حوانيت صغيرة ضيقة، البعض منها بضاعتها قليلة وفقيرة زبائنها فقط من أهل الخان،والبعض منها بضاعتها منتوجات تراثية للسياح الأجانب وقد تراصت أمامهم في زهو

أصبحت الأن على أعتاب الخان
أعبر أطراف بدايته
وفي  الاتجاه المقابل لي
 كانت هي
 تعبر أطراف نهايته
فأطراف نهايته بالنسبة لها
هي أطراف بدايته بالنسبة لي
كل منا في اتجاه معاكس للأخر
لكننا على خط مستقيم واحد
لمحتها ...لمحتني
رأيتها ... ورأتني
استيقنت منها... واستيقنت مني
ضاقت المسافة بيننا
تباطئت خطانا
ضاقت المسافة بيننا
ثلاثة خطوات...
خطوتين...
خطوة واحدة...
حانت نقطة اللقاء
نقطة التماس
توقفت خطانا
و كادت معها أن تتوقف أنفاسنا 
أنسحب الفراغ من بيننا
رفض أن يكون عزولاً 
فضل الحياد
أصبحنا وجهاً لوجه
زفيرها شهيقي
وشهيقها زفيري
تأملتها
وقد عربد شعر رأسها في تيار الهواء
عبث الزمن ببعض ملامحها بشيئ من جمالها بملايتها اللف التي تبدلت بعبائة صينية الصنع
هي أيضاً تأملتني بعينين فيهما شفقة نحوي لبقايا أثر السفر والترحال والسنين والمهجر على ملامحي 
 تأملتني بعينين يملؤهما حب وحزن وشوق وحنين وعتاب طويل ..وألف ألف سؤال


وددت لو  أخذتها بين ذراعي واحتضنتها وضممتها إلى صدري وقبلتها 
هي أيضا تود فعل ما وددته
قرأت ذلك في عينيها
 أحسست به في جسدها وأطرافه المضطربة
وحركة صدرها وهو يعلو ويهبط
من لوعة قلبها وأناته وشوقها إلي
شعرت بانتفاضة الأرض تحت قدماي
وددت لو  نزلت على ركبتي أمامها ودفست وجهي بين طيات عبائتها السوداء وأذرفت دمعاً من خلائقه الكبر وسألتها
 أن تغفرلي غيابي
 أن تغفر لي غبائي
ولكني لم أحرك ساكناً، فقدت السيطرة على أطراف جسدي
 لم أنطق بكلمة واحدة سوى أسمها
بينما هي قالت لي
وهي تحاول وتجاهد الا تختنق كلماتها المتقطعة
أذيك ياشاطر حسن
لم يكن غيرها يناديني بها
فينك...؟
دايماً كده في غيبتك
سايب وراك ناس بتحبك
وغيبتك صعبة وبتطول
ومبترحمش
واللي بيموت فيك وبيحبك تنساه
وعليه مبتسألش
كنت افتكرني ولو بعنوان بيتنا
تكتبه حتى على ظرف فاضي
صدقني..
 كان قلبي هيكون مكتفي بكده وراضي
عارف
كان نفسي وقتها 
تطمن عمري اللي بيضيع
 فيستناك
كان نفسي وقتها
 ترمي في قلبي الوديع 
بذرة أمل بلقاك
إزاي..
ازاي تغيب كده...؟
وانت بلغة ولاد البلد
 ابن أصول
وبتعرف في الواجب
وبتعرف في الاصول
وبلغة أهل الصاغة
معدنك دهب مش قشرة
تعرف قيمة الغالي
وتعرف تصون العشرة
وانك واحد مننا
واكل عيشنا وملحنا
وانك اباً عن جد من اهل الخان
لافيك عرق مملوكي
 ولاقلبك مره خان
قولي ياابن الناس الطيبين
ازاي بعدت عننا سنين
وازاي قلب حبيبتك عليك هان
كنت دايما تقولي متخافيش
وانتي معاكي الشاطر حسن
وان قلبي البرئ  غيرك انت مفيش
حد عليه يؤتمن
ياااه الكلام كان ببلاش  
كلام  فات عليه زمن...

وفجأة حررت دمعاً أسوداً .. لم يكن سبب سواده كحل عينيها الرباني ، بل من رواسب عذابات الهجر والضنا وقطع الوصل الذي كنت سبباً فيهم
ثم استودعتني
لم أنطق بكلمة
نسيت اللغة
ضاعت مني حروف الهجاء
عصاني لساني
جفَ ريقي
تيبست قدماي
إلتفت إليها وهي تمضي
وطفلين جميلين خلفها يمسكان بتلابيب عبائتها
لم ألاحظ ذلك أثناء دقائق لقاءنا الصعب
في هذه اللحظة فقط
 أدركت كم من العمر مضى وذهب مع الريح
أدركت عدد السنين التي أهدرتها ونثرتها هباءً في سماء بلاد بعيدة
 شعرت حقاً بندم شديد على ما ضاع من بين يدي
على ما فرت فيه من أجل أنانيتي
وغروري وكبريائي
و أضغاث أحلامي
و السفر على متن سفن أوهامي
تجمدت في مكاني
وأنا أراها تنأئى بنفسها بعيدا عني
إلى خارج الخان
تعبر أطراف نهايته
حتى  غابت وتلاشت وسط الزحام
اتجهت أنا الى داخل الخان
 أعبر أطراف بدايته
متجها إلى بيتي القديم ومرسمي
وساقاي لاتقوى على حملي
أمشي بخطوات متئدة
ونفسي تحدثني
ايه ياشاطر حسن
وبعدين يا شاطر حسن
قلت لها وأنا أتمتم
شاطر ايه وزفت ايه
قصدك تقولي .. الخايب حسن

حسن أرابيسك

رمضان كريم

Monday, July 16, 2012


رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير


في أواخر شهرأغسطس لعام 2008 هل علينا شهر رمضان الكريم وكتبت وقتها  تدوينة بعنوان وحوي ياوحوي عن فانوس رمضان الكلاسيكي المصري الصنع وعن علاقتي معه وعن حزني العميق عليه لتقهقره من الأسواق في شهر رمضان أمام الفانوس المسخ الصيني الذي بلانا به طفيليات من رجال الأعمال، ولكن هذا العام والحمدلله المشهد تغير كثيرا وأصبح ملفت للنظر اكتساح الفانوس المصري الجميل الأصيل للأسواق وتقهقر الفانوس الصيني أمامه بشكل كبير وملحوظ والحقيقة لم أقف كثيرا أمام هذا التغير ولم أندهش له فهذه بركات الثورة الجميلة ثورة 25 يناير  التي أحيت بداخلنا أشياء كثيرة رائعة كنا قد ظنناها في وقت ما قبل الثورة أنها قد ماتت .

رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير


ومن العشق ما قتل

Saturday, May 12, 2012



أنا من هنا.. وهي من هناك
أنا من بلاد سمراء حارة
وهي من بلاد بيضاء باردة بعيدة
مازالت ذاكرتي تحتفظ بمشهد لقائي الأول بها
في بلادها
داخل متجر (SWISHER)
أجلس على طاولة صغيرة أحتسي بعض من القهوة
في الخلفية أغنية قديمة جدا من أغاني الستينات الرائعة
غرباء في الليل (Strangers in the Night (
للمطرب الراحل العظيم فرانك سيناترا(Frank Sinatra )
ومع فنجان القهوة وصوت سيناترا وكلمات الأغنية الرائعة
أحسست بشيئ جميل داخلي
حرصت على ألا أنتهي من قهوتي قبل إنتهاء الأغنية
لعل الأغنية كانت تناسب حالتي في ذاك الوقت دون أن أعرف
إنتهت الأغنية
وأنتهيت من قهوتي
 غادرت طاولتي لإستكمل جولتي داخل المتجر
رأيتها
هي دون غيرها
اقتربت منها... وقفت أمامها
دققت النظر فيها
أحسست  أنني على أعتاب علاقة جديدة
عشق من نوع خاص
لم يخب ظني فيه
فعِقد غرامي من وقتها لم ينفرط
وحبل وصالي بها لم ينقطع
علاقتنا قوية، متينة ، لايعكرها شيئ
لم نفترق يوماً ، لم نتخاصم ، لم نتباعد
فهي لاتنأى عني
لاتغيب ..ولاتتأخر ..ولا تتلكأ.. ولا تتمنع
كم من نساء أعرفهن يحسدنها على تواجدها الدائم معي
على اقترابها الشديد مني
على التصاقها بي في بيتي وفي مرسمي وفي  خلوتي وفي سريري
بل وفي أجمل أوقات وساعات ابداعي  إن جاز لي التعبير
جزء من  نـجاحي  لها فيه دور كبير
أعترف بذلك ، لاأحب أن أكون جاحداً
أو ناكراً للجميل
فأنا أدين لها بالكثير
ومقامها لدي كبير
وحبي لها عنيد
وتعلقي بها شديد
كم من أصدقاء أسدوا لي النصيحة أن أبتعد عنها
قالوا لي لقد أسرفت في حبها
يكفيك هذا منها إنتبه ستُهلكك
ولكني دوماً أضرب  بنصائحهم عرض الحائط
فلن  أستطع  ولن أرضى
فليس من طبيعتي الهجر أو الغدر
منذ زمن وهي معي
ترافقني
تجاورني
تحترق من أجلي في صمت
ترضيني في هدوء شديد
دون أن تصرخ في وجهي
 ودون أن تئن
دون أن أن تتفضل علي
ودون أن تمن
تحترق من أجلي ولا تشتكي
تجيد فن امتاعي ولا تصدني
فكلما اقتربت منها
كلما لامستها
كلما قبلتها
تتصاعد رغبتي.. فتشتعل
تزداد متعتي فيما أفعل
أحببت فيها صمتها  الرهيب
وعشقت منها عطرها العجيب
أعرف أنها متفردة ومتميزة عن غيرها
لذلك كان ولازال إن رأها البعض وهي معي
و اشتموا منها عطرها
إلا وقد عرفوا وأيقنوا من ملامحها أنها ليست من هنا
وأنها أجنبية من بلاد بره
ورأيت في أعينهم رغبة وفضول
وأسئلة قد تطول
 في معرفة أصلها وفصلها
 ثم على استحياء يسألونني عن.. إسمها
فأقول لهم .. أنها
 (Black Stone )
بلاك ستون
سجائري المفضلة
وفي الواقع هي ليست بسجائر تقليدية
بل سيجار صغير بني اللون في حجم السجائر  العادية
وبنفس حجم علبة السجائر وعددها
تبغها ليس بأوراق تبغ ملفوف كالمعتاد في السيجار التقليدي ولكنه من فصيلة تبغ   ال ( Tobacco ) المخصص للبايب ( الغليون ) ، يزيد عليها نكهتها الرائعة ،نكهة الشيري Cherry
حسن أرابيسك












حسن أرابيسك

كانت لي جارية

Wednesday, March 14, 2012



كانت لي جارية
لم أبتعها ولم تُهدىَ إلي
كانت لي جارية
على غير عادة الجواري الحِسان
لا تُناديني بسيدي
ولاتستجدي مني رضائي
ولا تتهلل فرحا كلما حان لقائي
ولا تُقبل التُراب الذي يخلفه نعلي في وداعي
ولا تجزع لي إن أصابني شر من حاسِدِ إذا حَسَدّ
ولا يشغلها مني حالي إن صلح منه أمري أو فسد
كانت لي جارية
لا تسُر عني ساعة ضيقي
ولا تُبلل برضاب ريقها جفاف شوقي وريقي
ولا تُشاركني جلسات السمر واحتساء  القهوة من فناجيني
ولا تُعاقر معي خمر قواريري 
ولاتمُد يدها لي بكأس نبيذ معتق ترتشف منه قبلي وتسقيني
ولا تعزف لي على أوتار قيثارتها ألحاناً تسحرني وتشجيني
ولا تصدح وتشدو لي بغناء يطربني
ولا تشنف سمعي ببيتٍِ  من شعر فاجر كان أو عفيف
كانت لي جارية
 لاتُقبل مني يدي أو كتفي أو جبيني
ولا أرَى منها وجه صبوح أو لحظ عينين بسهم يرميني
ولا تصرعني بهمجية شفتين نضرتين طريتين ولا بهما تُحييني
ولا تكشف لي منها عن أطراف ناعمة فلا كفين نُقشا وخضبا بالحناء ولا كعبين تزينا بخلخال لرنته نغم تنفرج له اساريري
كانت لي جارية
لا تُبدي لي زينتها ، ولا تلتف بإزار من حرير شفاف مزركش بالذهب يشف عن قد ممشوق ولحم أبيض شهي ، أو صدر فيه نهدين كفحلين رمان ، أو خصر نحيل  أو وبطن تزينت بوردة سُرتها ،أو ردفان ثقيلان وأفخاذ مستديرة وساقين من مرمر تُبهرني بهما وتغريني
كانت لي جارية
لاترقص لي رقص متهتك فأرى جسدها يحترق ويثور وتلف وتدور وتجلس وتقوم وتبتعد وتقترب وتتمايل وتتهادى وتنحني علي فيلامس صدرها صدري وأرى منها ما يرضيني
كانت لي جارية
لا تُعانقني ولا تُقبلني ولا تُرضعني من  نهديها ولا تجلس بين ساقيى متكئه إلى صدري فأضمها بشمالي ويميني
كانت لي جارية
لا تُلاطفني ولا تُلاعبني، ولا تخلع عني ثوبي لنغتسل سوياً داخل حوض عطر ماءُه بالورد والياسمينِ
كانت لي جارية
لاتعرف الطريق إلى مخدعي ولا تسبقني إلى سريري
ولا تنتظرني منبطحة على ظهرها أو على وجهها ودلع وغنج في صوتها ورغبة ووهج في أهاتها يستحلفاني ويستعجلان قدومي
كانت لي جارية
لاتمارس الجنس معي فلا إختلطَ مائي بمائها ولا إستحللت فرجها ولا لعقت بلساني كل موضع من جسدها  بل ولم تنم ليلة واحدة في سريري
كانت جارية
على غير عادة الجواري الحِسان
وقد يتعجب ويتسأل العامة والخاصة والقاصي والداني والحاضر والغائب والعفي والعليل والطيب واللئيم والفيس بوكيين والتويتريين والمدونين، وإن كانت ليس لها معك فعل الجواري مع سيدهن فماذا تفعل لك جاريتك إذن..؟وهم في إصرار يتسألون جاريتي من تكون....؟
فأقول لهم ولكم  
جاريتي التي لا إبتعتها ولم تُهدَ إلي
ولم أعتقها 
ولم أتزوجها 
ولم أنكحها
 ولم أقضي منها وطراً
هي ( كانت )
نعم فجاريتي هي ( كانت )
( كانت ) التي تسكن معي لغة الماضي في قصور دفاتري وأسطري وهوامش صفحاتي
( كانت ) التي تسوق قطيع كلماتي المتراصة في ربوع تدويناتي
( كانت ) التي تزاحم خواطري وحديثي عن ذكرياتي
 ( كانت ) تلك هي جاريتي وتلك هي خصالها
فعل ماضي ناقص أوتام ، والتاء ضمير متصل بكل ذكرياتنا المفرحة والمبكية في محل رفع عن حاضرنا وواقعنا الذي نحياه لنظل نردد دائماً في حديثُنا..كانت... وكانت .... وكانت


حسن أرابيسك

رفيقة عمري

Monday, January 30, 2012



كذبتُ سمعي
كذبتهم...لعنتهم
كَبُرت كلمةً تخرجُ من أفواهم إن يقولونَ إلا كَذباً
طار عقلي،كدت أن أجن
وهم يخبروني على هاتفي الخلوي بإنتهاء أجلها
تركت الدنيا كلها خلفي وهرعت إليها
فالدنيا عندي بدونها لاتساوى مثقال ذرة
أخبروني من قبل
أننا أصبحنا على مشارف إفتراقنا
فكل مجتمع إلى فراق
أخبروني من قبل
أنه لم تعُد تجدي معها المُسكنات
وقد آن لها أن تستريح
أخبروني من قبل
أن ماتبقى من عمرها قليل..أيام معدودات
فكل شروق إلى مغيب
أعترف أنني على فترات متباعدة
كنت أشعر أن الوهن نال منها وأنها تئن أحياناً
لكنها كانت تبدو لي دائماً قوية.. صلبة.. عفية
تعاند الزمن وقوانينه
من أجل البقاء لفترة أطول معي
لم يخطر في بالي يوماً أنها سُتقهر
وتتخلى عني مُرغمة
وترحل قبلي عن تلك الحياة
دوماً كان إعتقادي أنني سأسبقها وسأرحل قبلها
كيف لي أن أقضي بقية عمري دونها
كيف لي أن أستيقظ من نومي دون أن أراها أمامي
تُلقي على عمري تحية الصباح فأستبشر خيراً
كيف لعيني أن تغفل في ليلها
وقد إعتادت أن تكون هي أخر من تراها
فتهدأ نفسي وتطمئن
كم شعرت معها بأنها قد تبنتني بعد وفاة والداي
وبأن حنانهما وعطفهما لم ينقطعا عني بعد رحيلهما
لذلك كنت لاأطيق البُعد عنها أوقاتاً طويلة في أسفاري
فكم كانت سعادتي وفرحتي ولهفتي
كلما عُدت إليها كطائر مُتعب مُنهك مشتاق
يحن لحضن ودفء وملمس عشه
لم تتململ مني يوماً كلما ضاقت بي الدنيا
وعصرني الحزن وفاض دمعي
فأهرب إليها أجالسها أشكو لها
فأمامها ومعها
يتبدد قلقي
وتهدأ أفكاري
وتتحرر أدواتي
وتتعرى لوحاتي
وتنكشف أحوالي
وتهجرني وساوسي
وتتبدل ملابسي
فمعها وأمامها وحدها
لا أكترث بجسدي عارياً كان أو مستوراً
اليوم كم كان المشهد قاسيا وصعبا
حاولت أن أكذب يقظتي..بأنه حلم
حاولت أن أكذب عيني..بأنه وهم
أراها أمامي وقد تهاوت وانهارت على الأرض
مكومة على نفسها
وهي التي رأيتها دوماً منتصبة شامخة عزيزة
فكيف أصبحت على هذا الحال
كدتُ أن العن الدنيا بمن فيها
إستغفرت الله..إستسلمت لقضائه
ولكن... منذ تلك اللحظة
شعرت حقاً باليُتم وبالوحدة وبالإغتراب
بعد أن فقدت رفيقة عمري
حيطان منزلنا العتيق 

حسن أرابيسك