23 سبتمبر، 2008

عروسة خشب

الظلام سيد المكان إلا من ضوء خافت تسلل عبر نافذة صغيرة لغرفة العرائس الخشب " عرائس الماريونيت " ليكشف عن وجه لعروسة خشب تتدلى في فراغ الغرفة المحيط بها ، وجه يحمل فم صغير وأنف دقيق وعينان واسعتان إمتلأ بحزن عميق يصاحبه حُلم يراودها كل ليلة أن يمتلك جسدها الصغير من القوة و القدرة على تحريك كل أجزاءه الخشبية دون وسيط ، أن يمتلك ذاتية حركته وقتما يشاء وفي أي إتجاه ، فتصبح يوماً خارج تلك النافذة بل خارج مبنى مسرح العرائس كله بعيدة ومتحرره من تلك الخيوط التي تتعلق فيها
وفي ليلة من أشد الليالي حزنا وألماً لها، رأسها منكسة لأسفل، نظرها صوب الأرض..تمنت لو تستطيع البكاء ولكنها كانت تعلم أنها عروسة خشب لاتملك من دموع البشر دمعة واحدة لكنها أصرت على البكاء ولو بغير دموع، ظلت ساعات ليلها على حالة الحزن التي أصابتها ورغبتها الشديد ة في البكاء ، وفجأة تنبهت..!! شعرت بشئ لم تعتاد عليه من قبل ، شعرت بشئ غريب يتدحرج على أحد خديها..!؟ إنها دمعة سقطت من إحدى عينيها.. لم تصدق في بادئ الأمر لكنها أيقنت أنها دمعة ... دمعة حقيقية ، هنا أدركت أنها كانت تبحث في الإتجاه الخاطئ ، كانت تبحث عن خلاصها في جسدها ، ولكن الليلة وفي هذة اللحظة تجلت لها الحقيقة، رُفع الحجاب عن سر خلاصها، تبدد الضباب الذي كان يقطع عليها طريقها ، فأيقنت وأمنت أن الإرادة أقوى بكثير من المادة، ،أن الإرادة هي السيد وأن المادة هي التابع، لذلك قررت بإرادتها هي وحدها أن ترفع إحدى ذراعيها لأعلى لتتحسس بكفها الصغير دمعتها التي مازالت عالقة على خدها..وببطء شديد نجحت في ذلك..وببطء اقل من سابقه نجحت في تحريك ورفع رأسها المنكس لأسفل إلى أعلى، وبالتتابع إستطاعت أن تُحرك جميع أعضاء جسدها الخشبي قطعة قطعة حتى إكتملت لها سيطرتها على كامل جسدها
نفضت عنها غبار أحزانها، بدأت في رسم تفاصيل تحقيق الحلم بعد أن أصبح قابل للتنفيذ متأهباً كنسر منتصباً على حافة النافذة يُخبط بجناحيه مستعداً للتحليق ، أو كعداء على عتبة باب غرفتها إتخذ وضع الإستعداد للإنطلاق، ،كانت تدرك أنها لوأصبحت خارج حدود عالم مسرح العرائس لن يعرفها أحد ولن تتلقى التصفيق الحاد الذي تتلقاه كل ليلة كبطلة للعرض المسرحي ،ولن تكتب عنها المجلات والجرائد شيئا حول نجوميتها، ومع هذا آثرت أن تصبح صعلوكة متحررة تنعم بكامل حريتهاعلى أن تبقى بطلة على خشبة مسرح وهي مقيدة بخيوط ولا تملك من أمرها وحريتها شئ ، وعلى ضوء النافذة الخافت صديقها القديم وضعت خطة تحررها والخروج إلى حياة حقيقية تمارس فيها حريتها بعيداً عن أدوار البطولة الزائفة التي تفرض عليها قهراً

وفي الليلة التالية أعدت العروسة عُدتها ،قامت بتمزيق الخيوط التي كانت تقيدها من أطرافها، فتحت باب الغرفة متسللة عبر ردهات طويلة ومعتمة ،إجتازت الباب الضخم وحراسه ، تسلقت السور الحديدي المحيط بمبنى المسرح فأصبحت خارجه على ناصية شارع عمومي كبير عند مفترق طرق وسط المدينة حيث الأبنية القديمة والحديثة قد تجاورت وتعملقت حولها،لوحات الإعلانات تصرخ بألوانها وأضواءها النيون ،فتارين المحلات الزجاجية المنتشرة وقد تكدست خلفها البضائع المعروضة، الباعة المتجولين وقد تراصوا واحتلوا مساحات كبيرة من الأرصفة وما تبقى منها إختفى أسفل كتل بشرية تتحرك وتتداخل في إتجاهات عكسية ،الطرقات مختنقة بسيارات هدير محركاتها لا يهدأ ودخان عادمها لا ينقطع ، وقفت العروسة الخشب محملقة ،سرق مشهد المدينة عيناها، أزعجتها المدينة لكنها لم تخشاها ، وفجأة تنبهت بأن حارس أمن مبنى المسرح يعدو في اتجاهها ..يطاردها محاولاً الإمساك بها بعد أن اكتشف هروبها، فما كان منها إلا أن إنطلقت كطائرة حربية تلقت إشارة الإقلاع من على مدرجها، مصممة ألا تستسلم بعد أن خرجت للحرية ولفحها هواوْها.. ظلت تعدو تشق الزحام بجسدها النحيل الصغير .. تحاور وتناور داخل المسافات الضيقة بين السيارات ، تجتاز الشارع تلو الشارع.. تعبر من رصيف لآخر.. وفجأة ..سيارة مُندفعة.. تصدُم العروسه، تطيح بها في الهواء ... فتسقط العروسة على أسفلت الطريق جثة هامده إلا من أنفاس قليلة، كانت تدرك أنها تحتضر ولكن لم يزعجها ذلك قدر ما أزعجها وجهها القديم الذي رأته في وجوه المارة الذين تجمعوا وإلتفوا حولها وهي ملقاه على الأرض، فتخبرهم بصوت متهدج وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة أن الحرية لاتأتي على طبق من ذهب فللحرية ثمن باهظ وتضحيات ضخمة، وهاهي لم تنعم الا بدقائق قليلة من الحرية ولكنها دقائق بعمرها كله ، دقائق إستحقت منها أن تقدم حياتها ثمناً لها ، فتطالبهم ألا يضيع هذا المشهد من ذاكرتهم ، أن يرسموه على جدران بيوتهم ،أن يحرضوا أطفالهم على رسمه في كرساتهم، أن يحفروه على أسوار مدينتهم ،أن يدونوه على قصاصات صغيرة يلقونها من فوق أبراجهم ،أن يطبعوه في ملصقات على مركباتهم ، أن يصبح خبراً يوميا في جرائدهم ، أن يوضع على شواهد مقابرهم ،حتى يستعيدوا يوماً حريتهم، ويصبح لحياتهم معنى ، مثلما أصبح لموتها الأن معنى كبير ، وأنها لم تكن يوماً مجرد عروسة خشب

حسن ارابيسك

13 سبتمبر، 2008

إطمئني

سيدتي
سيدتي
إطمئني سيدتي
ستكونين لي وليس لجن أو إنس أوغير
وسـوف أدخـرلكِ كل ماتبقى لـي مـن العمــر
وأنـزع قلبي من صـدري ليكون الشبكة والمـهر
وألضـم لكِ من أنجمي عُقداً أضعه على أجمل صــدر
وكلمـات الحب في قلبي ستهيم حولكِ كفراشات أو طــير
=====إطمئني سيدتي=====
سأبني لكِ بيتاً دعائمه الصدق وحجراته الطيبه وفِراشه الخير
وأكون ببابك فارسك خادمك الأمين مُلبياً نداءك ومُطيعاً لكل أمر
في صباحك سيدتي سوف توقظك قُبلاتي تسكُب لكِ اللبنَ فوق التمر
وفي ليلك في مخدعك أطلق البخور وأكون تعويذتك من كل سوءٍ أو شر
وأصـير في سـمرك وتـراً ولحنـاً وجوقة تُطربك ونديـماً وسـاقياً وقنينـة خمـر
=======إطمئني سيدتي=======
ستكون أصابعي العشرة جواريكِ لتُخفف التعب عن جسدك من القدم إلى الشعر
وبكفي أمسح جسدك بالطيب والعود وزيت الياسمين والصندل وماء الزهر
وأكون معكِ على فراشك بجانبك أميراً وأسفل جسدكِ حريراً وأعلاه ثور
ومن ضلوعي أبني لكِ جسراً تعبرين فوقه كل ضيق أو وادي أو نهر
ويكون صدري جواد تمتطينه لتجوبي به مشارق ومغارب البر
=====إطمئني سيدتي=====
إذا شاء ربي لن أفترق عنك أبداً سنةً أويوماً أو شهر
وإذا حان الأجل سأدعو ربي أن يجمعنا سوياً قبر
========
=========
===========
==============

29 أغسطس، 2008

وحوي يا وحوي




أعلم ياأخي أنني صادقته منذ أن كنت أحبو على الأرض وأصبحت تربطني به علاقة قوية ،علاقة روحية، علاقه لا تقف عند حد أو مادة أوشكل وأبعاد هندسية، فصداقتي له لم تتأكل مع السنوات التي تأكلت من العمر ، صداقتي له ظلت وستظل باقيه ماحييت، فلن يتغير عنه خاطرى ولن يحيد عنه ناظري ، فصداقتنا يا أخي لا يفك لها عروة، ، تتحسسه روحي قبل أن تتلمسه أصابعي ، تحتويه نفسي قبل أن يحتضنه كف يدي، وصداقتنا كنز ولكنه كنز غير تقليدي فليس بصندوق إكتنز بقطع ذهبية وليس بجره مُلئت بالمجوهرات ، وهو أيضا كنز لا يُهدى ولايُباع ولا يُشترى، بل هو كنز من الذكريات النفيسه والغالية ، عائلتي الصغيرة، أصدقاء الطفولة، بيتنا القديم بمشربياته، شارعنا العتيق ، علاقتي معه علاقة حميمية أحن فيها إلى الزمن الجميل في الدولة المصرية بطيبة ناسها ونظافة شوارعها وأناقة مبانيها ، وقت أن كانت القاهرة من أجمل عواصم العالم ،انه مرجع للذكريات من نوع خاص، فهو ليس بدفتر اقلب فيه أوراقه التي صبغها الزمن بصفرته العجوز الكئيبه، أو البوم للصور القديمة المتهالكه أو صندوق خشبي يحمل بقايا أيام ولت وانتهت ،إنه مرجع لذكريات ليس لي عليها بسلطان فعندما تفرد أجنحتها لتحوم في سمائي أوتطلق أشرعتها لتمخُر عباب أبحري، أتركها تفعل بالقلب ما تفعل تؤلمه بطلف وبحب، فيئن فيطلق أهاته وزفراته ...أاااااااااه ..وحوي ياوحوي

أصيل هو بهيكله الصفيحي القوي المتلاحم في تلاحم أولاد البلد قديماً، جميل هو بشرائح الزجاج الملون والمعشق به، متلألاً هو بضياء شموعه النحيلة الجميلة عندما ترقص شعلتها فوق ذوبان هادئ يحمل بعضً من رائحة الشهر المبارك " فانوس رمضان " كنا نجتمع من أجله صغاراً في شهر رمضان كل منا يحمل فانوسه في الوقت الممتد من بعد الإفطار حتى السحور ، نمشي سويا فرحين مهللين مرددين "وحوي يا وحوي إلا أن اليوم تنتابني الحسرة كلما تجولت في شوارع المحروسة في هذا الشهر الكريم فتراثنا الأصيل تم إختراقه وإستباحته من قبل جحافل وفيالق إجتاحته بأعداد هائلة من الفوانيس المسخ البلاستيك المستورده الباردة الروح ، فوانيس مسخ تسللت إلينا منذ سنوات طويلة على إستحياء وبإعداد قليلة ثم ما لبست أن تمكنت وشنت هجومها بضراوة وانتشرت كمرض خبيث في جسد السوق المصري الرمضاني، إجتاحت تراثنا كما اجتاحت جيوش التتار البلاد الإسلامية قديماً ماعدا مصر المحروسة التي دحرتهم وردتهم خائبين بفضل جيش من أبنائها تحت راية قائدهم المملوكي السلطان سيف الدين قطز ، ولكن شتان فمصر المحروسة اليوم تغُط في نوم عميق ، ربنا يرحمك ياقطز ويبشبش الطوبه اللي تحت راسك ..وحوي يا وحوي

لقد أصابوا صديقي " فانوس رمضان " في مقتل مثلما أصابونا في اشياء أخرى كثيرة وبدلوها تبديلاً، السمن البلدي بالسمن الصناعي واللبن الطبيعي بالألبان المجففة والفراخ البلدي بالفراخ البيضه ومشروباتنا الجميله الطبيعية من الخروب والتمرهندي والكركديه والعرقسوس بمشروبات غازية ..إنهم يفسدون ذوقنا وأذواق أفلاذ أكبادنا كما أفسدوا كل شئ حولنا ، لهذا أعلم يا أخي أنني أكن كل الاحترام والتقدير لبعض الباعة الذين يخصصون مساحة لديهم في حوانيتهم لعرض فانوس مصر المحروسة ليبتاعه من ظل على أصالته وسقى أطفاله جماليات الفن القديم بخاماته وملمسها وألوانها ، فكم صرخت في جمعيات إحياء التراث " يانااااس ..ياهوووو.. "إن تراثنا يتوارى يندثر شيئاً فشيئاً ، أصبحت مهنة صناعة الفوانيس في خطر وأصبح العاملين فيه يُعدوا على أصابع اليد، ولكن جمعيات إحياء التراث لا حيلة لها فليس هناك قانون يمنع ذلك..أو بالاصح لأن القانون ليس به وحوي يا وحوي

أاااااه يا أخي لو نصبوني سلطاناً اليوم فأصدر فرمانا اليوم قبل غد بسحب كل تلك الفوانيس المسخ من الأسواق وفرمانا أخر بعدم إستيرادها وكل من يخالف هذا يُعلق ويُشنق على باب زويلة على مسمع ومرئ من كل أهل المحروسة حتى يصبح عبره لكل من تُسول له نفسه بالتعدي على تراثنا وأفساد جمالياته ، والحاضر يعلن الغايب... وحوي يا وحوي

05 أغسطس، 2008

طع 100



طـع 100
اعلم ياأخي أنني في حلي وترحالي وأسفاري السريعة لبعض الديار العربية والأوربية لم يصادفني من تُباري معشوقتي في حسنها وقوامها وريحها الطيب ومذاقها حتى تراودني عن نفسي ، وأعلم أيضا ياأخي أني قرأت كثيراً في كتب سير العشق والحب والصبابة عن أحوال قدماء العاشقين، وكنت أستغرب أفعال العاشق منهم عن تغير أحواله لمجرد أن يلج خيال المعشوق في خاطره أوحتى سماع حروف اسمه او النزول في مضاربه ...فتتغير كيمياء جسده، يكاد أن يقفز قلبه من بين ضلوعه لسرعة وشدة ضرباته أو يذهب في غيبوبة قصيرة أو يهيم على وجهه يشكي حاله لطوب الأرض ويصبح ذكر محبوبته على كل لسان وقتها فقط تلعنه هي وتنعته بإبن المفضوحة وتتبدل هيئته من أملح أكلح إلى أشعث أغبر..ساعتها تكون أمه داعيه عليه... تلك كانت صورة من صور كثيرة في الزمن القديم للعاشقين، أما حالي أنا ياأخي فحدث ولا حرج عن غرامي بفاتنتي ،فلو شاء المولى لي أن أمر بديارها بأي مطعم من مطاعم الفول والطعمية المنتشرة على أرض المحروسة تغازلني رائحة أقراص الطعمية السخنة فتدغدغ شهيتي وتسلب من لعابي إراداته ، لأجد نفسي مُسير ولست مُخير ، واقفا على عتبه مطعم الفول والطعمية متابعا دقائق مولدها ، تقفز أقراص الطعمية وهي مجرد عجينة خضراء لينة من بين كفي صانع الطعمية في وعاء الزيت المغلي فوق الموقد المشتعل لتُحدث نغماً جميلاً تش..تش فتتحول لحوريات تسبح في بحيرة مقدسة أستمر في متابعتها إشاهد تدرج تحولها من حوريات خُضر أبكار إلى شموس تتلألأ وسط بحيرة ينتشلها المصري القديم "عم طع" أي عامل الطعمية باللغة المصرية القديمة ووسط حشد من الناس يتم زفها إلى في قرطاس ورقي ، فلا يطاوعني الصبر على التقدم خطوة واحدة لإستكمال طريقي نحو مبتغاي كيف ..؟ومبتغاي بين يدي، فتقتحم أصابعي فوهة القرطاس الورقي ... تخترقه.. تتدلى.. تقتطف أول قطفة ... تتحسس قرص الطعمية كما تتحسس أنامل المحب وجه وجسد محبوبته قبل أن يمطرها بقبلاته ، وبمجرد أن تعبر معشوقتي حافة القرطاس لتطل علي من خلف ستارة هودجها بوجه لفتاة بدوية صبغته الشمس بحراراتها وتوهجها فزادته إشراقا وجمالاً وقد زينت وجهها بوشم جميل ،ووشم وجه معشوقتي كزبرة مجروشة زادت من حسنها ونكهتها ... تلك النكهة الذكية التي تذكرني بالزمن الجميل زمن لم يعرف الأشياء إلا بطبيعتها وفطرتها، فلم تكن النكهات الصناعية عرفت طريقها إليه بعد
ياااااااه...... لنكهتها ومذاقها في رحلة عبورها داخل فمي ...مبتداها بقبلة طويلة وعميقة لها بين شفاهي وإمتصاص رضابها ثم إحتضانها بين فكي بحنان فكي القطة عندما تلتقط صغارها لنقلهم من مكان لأخر ، وعلى سطح لساني من طرفه حتى نهايته تثير نكهتها حاسة التذوق لدي فهي لاتهدأ كإمرأة عارية تثير بأنوثتها ولحمها البض فِراش مخدعها فيداعبها فِراشها قبل أن يداعبها خليلها ، حتى تبلغ أقصى شهوتها ترتعش فتختلط نكهتها بماء لعابي ، فتكتمل النشوة
وأعلم ياأخي أن الشكل الدائري في معشوقتي يستهويني، ففيه تتلاشى نقاط البدايات والنهايات فتُسقط عني الأحساس بالحيز الفكري والمكاني مما يجعلني أسبح في اللا نهائية ، فشكلها الدائري المنبسط ولونها النحاسي يذكرني بعملة مصرية قديمة وجميلة وهي الجنيه الذهب ، اختفى الجنية الذهب وذهب مع من ذهبوا من رجالات عصره أفنديه وبكوات وبشوات اختفى مع عصر بأكمله ولكن لم تختفي أقراص الطعمية ، ظلت صامدة محتفظة ببريقها ونكهتها وشعبيتها وولائها لعامة الشعب .. بنت بلد بصحيح، فهي رفيقة الدرب للفول المدمس، فهما من نسل واحد، حبانا الله بهما على أرض المحروسة رغم محاولات في الأونه الأخيرة لبعض الحاقدين والحاسدين لإقصائهما عنا ورغم خشيتي من إحلال الطعمية الشعبية بالطعمية الذكية إلا أنها ستظل إن شاء الله دائماً وأبداً في صف الشعب فلاحين وعمال فقراء ومساكين

حسن أرابيسك




03 يونيو، 2008

إسكتش


تنبيه..في نهاية هذا البوست لوحتين مكملتين له لإكتمال الرؤية الفنية..


الحدث بينالي الاسكندرية
المكان قاعة العرض
اعمال فنية كثيرة ومتفرقة في أرجاء المكان
لوحات معلقة على الجدران
وجوه كثيرة.. خليط من فنانين تشكيليين،نقاد،أدباء،صحفيين،محبي ومتذوقي الفنون الجميلة.
آتىَ وحيداً..
يتأمل اللوحات المعلقة..
لوحات تطل منها ثقافات مختلفة تقفز خارج اطرها
لوحات ظلت مكانها أبت أن تقفز وأن تطل
لوحات تحمل لغة جديدة وبسيطة
لوحات تحمل أشباه اللغة تبحث عن هواة فك الطلاسم
لوحات جاءت مفتقدة للغة الحوار والتخاطب..جاءت فقط لتصرخ فيك
لوحات تأخذك بعيداً ثم تتركك وحيداًً
ولوحات جاءت تبحث عن هوية
لوحات جاءت تفرض هويتها
لوحات تبحث عن عشاق لها
لوحات تتطمح في أن يؤرخ لها
وما إن إنتهى من قراءة اللوحات.. تطلع إلى الوجوه الحاضرة عله يقابل أصدقاء قدامى لم يلتقي بهم منذ زمن، وإذ بصوت خافت يهمس خلف إذنه ..هل تبحث عن شئ ما..؟ تسمر مكانه إنتبهت كل حواسه.. تجمعت ..إتحدت من أجل عملية بحث سريعة جداً داخل مخزن الذاكرة لديه
تكرر السؤال عليه..هل تبحث عن شئ ما..؟
صوت ناعم خافت جداً قادر على أن يجعلك ترى صاحبته من قبل أن تراها....معقول..!!.. يستديربكامل جسده مائة وثمانون درجة،فلكل مخزون في الذاكرة زاوية رؤية تتطلب درجة من الاستدارة تتناسب مع حجمه وضخامته، أصبحَ وجهاً لوجه ،
أغمض عينيه وفتحهما متحققاً من حالته.. يقظة هي أم حُلم، ودَ لو يُمد يده ويتحسس ملامحها بأصابعه كي يستريح ويتأكد أنها هي بشحمها ولحمها وليست وهماً من أثر شراب بيرة تجرعها قبل أن يأتي فلعبت بعقله..كيف وهو الذي إعتاد على شرب مايفوق ذلك بكثير، وبعد أن إطمئن أنها حقيقة وليست بخيال أو لوحة زيتية أو جدارية مصمته ..
كُنتِ دوماً تعرفين أنني دائم البحث في حياتي.. إن لم تكن خانتك الذاكرة ..!
أطلقت نصف إبتسامة
لم تتغير كثيرا
رفع سبابته راسماً دائرة حول وجهه في الهواء
تقصدين ملامحي أم تقصدين....أنتِ أيضا لم تتغيري كثيراً..
الغريب أننا مازلنا نحمل نفس ملامحنا القديمة..!
نعم..ولكن هل تغيرت المشاعر..؟ تبدلت..؟أم ظلت على حالها..؟
رفعت حاجبيها لأعلى وإتسعت حدقة عيناها
هذا سؤال غير مباشر منك.. تود أن تعرف إن كنت أحمل لك شئ في صدري. ؟
خُلقنا على هذ،ا دائماً نحمل أشياءً في صدورنا.. ولكن العجب أننا
نحمل أشياء لغيرنا..حب..كراهية..ود...جفاء.. بر..عرفان.. جحود .. تسامح ..غِل..عهد..وفاء
إذن أنتَ تعترف أنكَ مازلت تحمل لي شيئاً في صدرك..أيهم ياترى؟
هذا صحيح أنا لا أنكر ذلكَ
لا أخفي عليكَ سراً أنا أيضا مازلت أحمل لك شئ في صدري
أتعشم أن يكون خيراً..هل ستُخبريني ؟
ليس قبل أن تخبرني أنت أولاً
لا أنتِ أولاً
إذن ما رأيك أن نُمارس لعُبتنا القديمة في البوح..؟
افرج عن إبتسامة عريضة
كراسة الإسكتش..ياااه أمازلتِ تتذكرينها؟
نعم ألم تكُن لسان حالنا والناطق الرسمي لمشاعرنا من قبل
إتفقنا ولكن لابد أن يكون بوحنا في مكان محايد ليس لنا فيه ذكرى سوياً
هذا أفضل لنا ..اتفقنا
وأفترق الإثنان على موعد..
وفي اليوم المحدد لبوحهما تقابلا ، جلسا على مائدة متقابلين كل منهما يمسك بقلمه الرصاص وكراسة الإسكتش..نظرا لبعضهما نظرة طويلة وعميقة وصمت رهيب يصاحبهما إجلالاً لتلك اللحظة ..لحظة يكشف فيها كل منهما عن مشاعره للأخر بعد سنوات مضت على إفتراقهما ، إنكفأ كل منهما على كراسته يرسم ويفتح القفص الصدري لديه ليطلق سراح مشاعره ... لم يمضي وقت طويل حتى انتهى كل منهما من رسم لوحته.

حسن أرابيسك

11 مايو، 2008

عادة

عادة هي من تداعي وتناوب فكرة لمدونة عزيزة

عادة
إستمرأتها
بين نهايات النهار
وبدايات الليل
تختلي بنفسها
تحتويها جدران دافئة
تنزع عن معصمها سوارها ..قيدها الذهبي
وطوق ذهبي حول رقبتها
تدلى منه جعران مسكنه بين نهديها
ينسلخ عن جسدها ثوب ضيق ..زنزانته وسجانه
تتخلص من كل الحراس الصغار على مفاتن جسدها
تُلقي بهم في الهواء في زوايا متفرقة
تعتق جسدها
تترك له حرية البوح والتعبير الحركي
تنزع من راسها صور وخيالات يوم ثقيل
وإلتواءات لغة تخلت عن قواعد صرفها
وبرمجة عصرية أثقلت كاهلها
تترك ورائها مخلوقة شمسية تعبة
أحرقتها الشمس في براءتها
إمتصت منها رضاب انوثتها
تجلس أمام لوحتها المسطحة
لوحة مظلمة .. معتمة
إحتوت بين أضلاعها الأربعة
فضاء مظلم ..سحيق
وعالم إفتراضي
تقفز إليه دون خوف
تسبح وسط كائناته الخفيه
عالم خارج
المنطق
والحسابات
والمسافات
والمقاييس
والأزمنة
والأمكنة
والتفاصيل
عالم إفتراضي
تبحث فيه عن
كوكبٍ.. جُرمٍ
يحولها.. يُبدلها من مخلوقة شمسية تعبة
إلى مخلوقة قمرية
تعيش على حلمها بلقاء مخلوق قمري أخر
تعانق نسائمه الطائرة
تستمع معه لأغنية عابرة
تحيا معه في سكينة وسلام
يشاركها دقائقها القليلة
دقائق تقتنصها من ساعات وأيام
قبل أن تُغتصب منها سنوات عمرها
شاءت أم آبت

حسن أرابيسك

10 أبريل، 2008

حليمة

نزلت حليمة إلى الشارع بزيها المدرسي ، لم تخلعه عنها بعد عودتها من المدرسة عندما طالبتها امها بشراء بعض أرغفة الخبز ،تمشي حليمة بخطوات صغيرة متجه إلى الفرن وقد أمسكت بإحدى يديها كيس بلاستيك كبير وباليد الأخرى أطبقت بأصابعها الصغيرة في كفها على عملة ورقية فئة الجنية
زحام وطابور طويل من الناس تتعلق أعينهم بنافذة صغيرة للفرن لها قضبان حديدية الكل يتمنى أن يصل اليها يتحسس بركتها وبركة العامل الذي يقف خلفها لبيع الخبز، أصبحت طوابير الخبز مشهداً مالوفاً في شوارع مصر بعد أن تفاقمت أزمة الخبز وأمتدت لتشمل كل أقاليم المحروسة
شقت حليمة بجسدها النحيل الزحام الممتد أمام الفرن، إتخذت موضعاً لها بين تلك الأجسام الضخمة ،بعض الأعيُن المُطلة منها تنظر اليها مُشفقة عليها لضألة جسمها وصُغر سنها، لم تتعدى بعد عشرة أعوام من عمرها، مالت عليها إمرأة عجوز بظهرها المحني... هما يابنتي ملاقوش في البيت عندكم حد كبير يبعتوه يجيب عيش!!.. لم تلتفت حليمة، ورمت نظرة خاطفة لكفها وهو يحتضن الجنية لتطمئن عليه
الزحام في إزدياد مستمر، الناس تتأفف ،سخطهم على الحكومة والنظام لاينقطع ،تتوالى تعليقاتهم الساخرة من أوضاعهم المعيشية الصعبة...عشنا وشفنا بعد ما كنا زمان بنقف طوابير على اللحمة والفراخ يدحدر بينا الحال ونقف طوابير على العيش، ويعقب أخر .. ياعم دول عاوزين الناس تاكل في بعضها ، ترفع سيدة مُسنة كفيها أمام وجهها..حسبي الله ونعم الوكيل فيهم
حليمة تتوق أن ترجع للبيت لتُخرج كراسة الرسم وعُلبة الألوان وترسم موضوع عن النحل كما قالت لها مُعلمتها، سترسم النحل بلونيه الأصفر والأسود ، وخلية النحل وأقراص الشمع سُداسية الشكل، قررت أنها سترسم عسلاً كثيراً لأنها تحب العسل ، وسترسم وروداً كثيرة ليحُط عليها النحل ويمتص رحيقها، هي تحب الورود الحمراء،إذن سترسم ورود حمراء ، تنبهت حليمة للزحام الذي لايتحرك ولكنه لا يهدأ، ومرة اخرى تحسست العملة الورقية براحة كفها الصغير وزادت من إحكام قبضتها عليها
الزحام تتسع رقعته، حليمة تخشى أن يضيع يومها في طابور الخبز، فقد قررت أنها ستلعب اليوم بعروستها وتقوم بدور الطبيبة تكشف عليها وتكتب لها روشتة العلاج مثلما فعلت معها طبيبة المستوصف منذ عدة أيام عندما تعبت وأخذتها إمها للمستوصف ،كانت الطبيبة تكشف عليها وحليمة تراقب كل حركاتها بدقة ترسم في مخيلتها كل تفاصيل المشهد، البالطو الأبيض ،سماعة الكشف التي تلتف حول رقبة الطبيبة،أصابع الطبيبة وهي تتحسس بطنها، قالت حليمة لأمها بعد أن خرجتا من المستشفى.. عارفة ياماما أنا لما أكبر هاطلع دكتورة.....يارب أعيش واشوفك ياحليمة زيها كده دكتورة قد الدنيا
تذكر نفسها أن تستقبل أبوها عند عودته من العمل في أخر النهار بقبلاتها كما إعتادت، تطوق رقبته بذراعيها الصغيرين، تتعلق به.... جبتلي ايه معاك النهارده ؟ ستخبره عن شطارتها اليوم في المدرسة وتردد عليه عبارات الإستحسان التي لاقتها من مُدرسة الحساب
وفجأة.. تعالت الصيحات والأصوات حول حليمة، كانت دلالتها أن عامل الفرن خلف نافذته شرع في بيع الخبز، تدافع الناس بعنف شديد وقد تلاحمت أجسادهم فأصبحوا يشكلون كتلة بشرية واحدة تتدافع للأمام..تهتز.. ترتج .. تارة تجنح لليمين وتارة لليسار، إرتعبت حليمة، إنتفض قلبها الصغير، إرتجف جسدها الضعيف ،أصبحت مثل قارب صغير، هاج وماج البحر من حوله ، فتقاذفته أمواجه العالية الغاضبة في كل الاتجاهات ، وبسرعة شديدة تحول زحام وتدافع الناس حول حليمة إلى سب وشتائم وخناقات ثم إشتباكات بالإيدي والعصي ،تطور الزحام من أجل شراء الخبز للبقاء على قيد الحياة إلى إعصار ضاري يقتلع تلك النبته الصغيرة من جذورها، أصبحت حليمة لاتملك شيئاً من نفسها، أصبحت لا حول لها ولا قوة ، إنزلقت حليمة بجسدها الأخضر النحيل وأختفت أسفل النعال العمياء التي دهستها بكل ضراوة وهي تبكي وتصرخ ..ماما..ماما.. وتصرخ وتبكي .. إلحقيني ياماما..ولكنه صراخ وبُكاء لايُسمع منه شئ فهو أشبه بنحيب آلة ناي وسط ريح صرصراً عاتية حتى تطور الأمر إلى إطلاق نار وسماع دوي الرصاص
وفي حارة حليمة إنتفضت بعض النسوة من مجلسهن أمام بيت يقع في أخر الحارة قمن يخبطن بإيديهن على صدورهن ......ياساتر يارب ، الصنايعية وأسطواتهم أصبحوا خارج الورش على إثر ذلك، وأطل أخرون من نوافذ بيوتهم المطلة على الحارة، الكل يُطالع هؤلاء القادمون في مدخل الحارة....يقتربون منهم ، بعضهم من سُكان الحارة ، يحمل أحدهم بين يديه جسداً صغيراً تراخت كل أطرافه وتدلت في الهواء ..وحينما اقتربوا منهم سألهم اهل الحارة ياساتر يارب ايه الحكاية ؟......قالوا لهم ...ماتت حليمة
حسن أرابيسك -- 30 / 3 /2008



25 مارس، 2008

مُستحقاتنا العاطفية


لكل منا مُستحقاته العاطفية
مُستحقات يجب أن نحصُل عليها كاملة دون نُقصان
مُستحقاتِنا العاطفية يجب أن نحصل عليها في وقتها وفي آوانها
وقبل إنتهاء تاريخ صلاحيتها فهي لاتحتمل التخزين ،نُحبها دائماً طازجة ..فِرش
مُستحقاتِنا العاطفية لا نقف من أجلها في طابور مثل طوابير الخبز المُر
مُستحقاتِنا العاطفية لا نقبل فيها التدليس والتزوير والغش فمن غشنا فليس منا
مُستحقاتِنا العاطفية هي حق مُستحق لنا وليست منح أو هِبات أو مساعدات إنسانية
مُستحقاتِنا العاطفية لانُطالب بها ولا نستجديها ولا نتسولها ونرفضها ونرُدها لو أتت إلينا عن غير طيب خاطر، نُريدها طواعيةً من النفس ومن القلب ومن الجسد كله
مُستحقاتِنا العاطفية هي مُستحقات فورية الدفع لاتحتمل التأجيل أو إعادة جدولتها وسدادها لنا على أقساط
مُستحقاتِنا العاطفية هي زادنا وذوادنا في رحلة عمرنا وكل محطاتها الزمنية ولا فائدة منها أن تأتي إلينا في محطاتنا الأخيرة وقد ذهب عنها طعمها ولونها ورائحتها، نريدها في كل المحطات من أول الخط حتى نهايته
مُستحقاتِنا العاطفية يجب ان نحصل عليها قبل أن تجف حبات العرق ويتوقف القلب عن دقاته ويرحل النبض عن الوريد
من ساعة ميلادنا إلى لحظة مماتنا لنا مُستحقات عاطفية لدى البعض
وللبعض مُستحقات لدينا...فهل قمنا بسدادها في أوقاتها..؟

حسن أرابيسك

03 مارس، 2008

RETURN


قطعت بسيارتي نصف المسافة منطلقة من مدينتي قاصدة مدينة أخرى نمتلك فيها منزلاً أخر ، كنت قد اتخذت قراري بالابتعاد والانفصال عنه، كانت الصور تتوالي في ذهني وتمضي مسرعة موازية لتلال رملية على جانبي الطريق وهي تعدو وتمضي عكس اتجاه سيارتي
الفترة الأخيرة أفتقدنا فيها لأشياء كثيرة بيننا وتبدلت أشياء ، فحل الجدل والشجار والصراخ محل الكلمات والمشاعر الدافئة، وعلى أثر رجفة بسيطة من مقود السيارة انتفض جسدي كله وتنبهت للطريق لكنني سرعان ما تذكرت إنتفاضة جسدي وإرتعاشته حينما كانت أنامل أصابعه تلامس راحة كفي لقد إنقطعت أكُفنا حتى عن